محمد عزة دروزة
82
التفسير الحديث
ويصرفونها إليه ويروون في صدده أحاديث كثيرة متنوعة الرتب . وفيها شيء كثير من التضارب فمنها ما يفيد أن الإسراء والمعراج كانا رؤيا منامية وأن جسد رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لم يبرح مكانه . ومنها ما يفيد أنه كان مشهدا روحانيا ، ومنها ما يفيد أنه كان مشهدا حيا وحادثا واقعا بالجسد واليقظة . ومنها ما يفيد أن الإسراء كان بالجسد واليقظة وأن المعراج كان في النوم أو بالروح . هذا أولا . وثانيا إن معظم الروايات تقرن حادث العروج بحادث الإسراء وتجعلهما في وقت واحد وتروي مشاهدهما في سلسلة واحدة ، وإن كان هناك روايات تفيد حدوث كل منهما لحدته . وقد ذكرت أن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بعد وصوله في حادث الإسراء إلى المسجد الأقصى عرج به إلى السماء . هذا في حين أن حادث الإسراء قد أشير إليه في سورة الإسراء التي يجيء ترتيبها بعد هذه السورة بمراحل . والإشارة فيها قاصرة على الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى كما ترى في نص الآية الأولى من سورة الإسراء وهو : سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِه لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَه لِنُرِيَه مِنْ آياتِنا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ‹ 1 › ومن الروايات ما يجعل حادث الإسراء قاصرا على الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى دون عروج إلى السماء . ومنها ما يجعل الإسراء والعروج أكثر من مرة ، وثالثا إن في الروايات تضاربا في الوقت الذي وقع فيه الحادث . فهناك رواية تذكر أن الإسراء والمعراج معا قد كانا بعد البعثة بخمسة عشر شهرا ، وهذا قد يتطابق مع تاريخ نزول سورة النجم ، ولكنه لا يتطابق مع تاريخ نزول سورة الإسراء التي يرجح أنها نزلت في أواسط العهد النبوي المكي . وهناك رواية تذكر وقوعهما معا بعد البعثة بخمس سنوات . وهذا قد يتطابق مع تاريخ نزول سورة الإسراء . ولكنه لا يتطابق مع تاريخ نزول سورة النجم ، لأنها نزلت أبكر كثيرا من سورة الإسراء . وهناك روايات تذكر أنهما كانا قبل الهجرة بخمس سنوات وهذا لا يتطابق مع تاريخ نزول أي من السورتين ! . بل وهناك رواية غريبة جدا تذكر أنهما وقعا قبل البعثة بسنة واحدة . وهناك رواية موازية في الغرابة لهذه الرواية وهي أن الإسراء والمعراج